جلال الدين السيوطي
201
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
من هوازن من أولي العلم ، وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية أو جدّه ، قال : اجتمع عامر بن الظّرب العدوانيّ وحممة بن رافع الدّوسيّ عند ملك من ملوك حمير ، فقال : تساءلا أسمع ما تقولان . فقال عامر لحممة : أين تحبّ أن تكون أياديك ؟ قال : عند ذي الرثية العديم ، وذي الخلّة الكريم ، والمعسر الغريم ، والمستضعف الهضيم . قال : فمن أحقّ الناس بالمقت ؟ قال : الفقير المختال ، والضعيف الصوّال ، والعيي القوّال . قال : فمن أحقّ الناس بالمنع ؟ قال : الحريص الكاند ، والمستميد الحاسد والملحف الواجد . قال : فمن أجدر الناس بالصنيعة ؟ قال : من إذا أعطي شكر ، وإذا منع عذر ، وإذا موطل صبر ، وإذا قدم العهد ذكر . قال : من أكرم الناس عشرة : قال : من إن قرب منح ، وإن بعد مدح ، وإن ظلم صفح ، وإن ضويق سمح . قال : من ألأم الناس ؟ قال : من إذا سأل خشع « 1 » ، وإذا سئل منع ، وإذا ملك كنع ، ظاهره جشع ، وباطنه طمع . قال : فمن أحلم الناس ؟ قال : من عفا إذا قدر ، وأجمل إذا انتصر ، ولم تطغه عزّة الظفر . قال : فمن أحزم الناس ؟ قال : من أخذ رقاب الأمور بيديه ، وجعل العواقب نصب عينيه ، ونبذ التهيّب دبر أذنيه . قال : فمن أخرق الناس ؟ قال : من ركب الخطار ، واعتسف العثار ، وأسرع في البدار ، قبل الاقتدار . قال : فمن أجود الناس ؟ قال : من بذل المجهود ، ولم يأس على المفقود . قال : فمن أبلغ الناس ؟ قال : من حلّى المعنى المزيز باللفظ الوجيز ، وطبّق المفصل قبل التحزيز . قال : فمن أنعم الناس عيشا ؟ قال : من تحلّى بالعفاف ، ورضي بالكفاف ، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف . قال : فمن أشقى الناس ؟ قال : من حسد على النعم ، وتسخّط على القسم ، واستشعر الندم على فوت ما لم يختم . قال : فمن أغنى الناس ؟ قال : من استشعر الياس وأبدى التجمّل للناس ، واستكثر قليل النّعم ، ولم يسخط على القسم . قال : فمن أحكم الناس ؟ قال : من صمت فادّكر ، ونظر فاعتبر ، ووعظ فازدجر . قال : فمن أجهل الناس ؟ قال : من رأى الخرق مغنما ، والتجاوز مغرما . قال القالي : الرّثية : وجع المفاصل واليدين والرجلين . قال أبو عبيدة أنشدت يونس
--> ( 1 ) الأمالي : خضع . انظر : 2 / 307 .